صديق الحسيني القنوجي البخاري
273
فتح البيان في مقاصد القرآن
كتاب منشور من اللّه أنك لرسول اللّه ، والصحف الكتب واحدتها صحيفة والمنشرة المنشورة المبسوطة المفتوحة أي غير مطوية أي طرية لم تطو ، بل تأتينا وقت كتابتها ، وهذا من زيادة تعنتهم ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء : 93 ] قرأ الجمهور منشرة بالتشديد ، وقرأ سعيد بن جبير بالتخفيف وقرأ الجمهور أيضا بضم الحاء من صحف وقرأ سعيد بإسكانها . ثم ردعهم اللّه سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال : كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ يعني عذابها لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات ، وهذا إضراب انتقالي لبيان سبب هذا التعنت والاقتراح ، وقيل كلا بمعنى حقا . ثم كرر الردع والزجر لهم فقال : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ أو بمعنى « ألا » الاستفتاحية أو حقا أن القرآن تذكرة بليغة كافية ، والمعنى أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه ، أو إنكار لأن يتذكروا بها ، قاله القاضي كالكشاف . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي فمن شاء أن يذكره ولا ينساه فعل واتعظ فإن نفع ذلك عائد إليه . ثم رد سبحانه المشيئة إلى نفسه فقال : وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قرأ الجمهور يذكرون بالياء التحتية ، وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية وهما سبعيتان ، واتفقوا على التخفيف والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ، قال مقاتل إلا أن يشاء اللّه لهم الهدى ، وقال في الكشاف يعني إلا أن يقسرهم على الذكر قال الإمام إنه تعالى نفى الذكر مطلقا واستثنى منه حال المشيئة المطلقة ، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة يحصل الذكر ، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة ، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القسرية ترك للظاهر ، وقال وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة اللّه تعالى ذكره الكرخي . هُوَ أَهْلُ التَّقْوى أي هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب ، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم . عن أنس « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال : قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له » « 1 » أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 74 ، باب 4 ، وابن ماجة في الزهد باب 35 ، والدارمي في الرقاق باب 16 ، وأحمد في المسند 3 / 142 ، 243 .